Mencari Ilmu

Assalamualaikum Wr. Wb.
وقفات مع العلم



علي بن عبدالعزيز الراجحي

الإسلام دين العلم


جاء الله تعالى بالإسلام ، والأمم غارقة في ظلام الجهل ، فكان أول ما أنزل على رسول صلى الله عليه وسلم : ((اقرأباسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * آقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم *علم الإنسان مالم يعلم) سورة العلق
0فكانت أول إضاءة في هذا الظلام الحالك ، ثم توالت إثرها الآيات المؤذنة بأن هذا الدين دين علم ،فهو يدعو أهلة إلى العلم ، وينفرهم من الجهل ، فتحولت الأمة الأمية إلى أمة علم ونور ، قال تعالى : ((هو الذي بعث في الأمين رسولا ًمنهم يتلوا عليهم إياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين) سورة الجمعة.
فالدين كله مبني على العلم 0العلم بالله ، وبدينه ، والعلم بأمره ونهيه ،فلا يعبد الله إلا بالعلم ، ولا يمكن أن تستقيم الأمة على المناهج الصحيح إلا بالعلم .

أنواع العلوم

1- منها المحمود ، كعلم الشرع _ وهو أشرف العلوم -، والعلوم التي بها قوام أمر الدنيا ،كالطب ، والصناعات النافعة ، ونحوها0
2- ومنها المذموم ، كعلم السحر ، والتنجيم 0
3- ومنها المباح ، كالعلم بالأ شعار التي لا منافاة للشرع ، التأريخ ، ونحو ذلك

العلم الواجب:ـ

العلم الواجب على كل مسلم : أن يتعلم مل تيلم به عقيدته ، وتصح به عبادته ، فيتعلم معنى الشهادتين ، وما يناقضهما ، وحق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إجمالاً، وأحكام الطهارة والصلاة إجمالأ، وإن كان لديه مال تعلم كيف يزكيه ، وإن كان له تجاره فعلية معرفةما يحل ويحرم في الجملة حتى لا يقع في الحرام، وهكذاحتى يعبد الله على علم وبصيرة ،
قال صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم ) رواه ابن ماجه في مقدمته 1/81ح(224)ورواه غيره,وقد اختلف فيه فضعفه جماعه من العلماء, وقواه آخرون,وقد حسنه الحافظ ابن حجر ,والمزي,والسوطي,وغيرهم.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى في معنى الحديث :إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيء من أمر دينه فيسأل عنه حتى يعلمه ) المقاصد الحسنه ,وكشف الخفاء

فضائل العلم


قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لايحسنه ، ويفرح به إذا نسب إليه،وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه ) تذكرة السامع والمتكلم

وللعلم فضائل كثيرة تدل على شرفه ورفعة مكانته ،منها :
1ـ أن الله تعالى وصف أهل العلم بالخشية له ,فقال تعالى (انما يخشى الله من عباده العلمؤا) سورة فاطر. فالعلم يورث خشية الله تعالى .
2- أن الله تعالى أمر رسوله صلىالله عليه وسلم بطلب الزيادة منه ,فقال تعالى (وقل ربي زدني علما) سورة طه .قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-عن هذه لأية : انما واضحه الدلالة على فضل العلم ؛لأن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب لازدياد من شيء الا من العلم) فتح الباري أول كتاب العلم.
3- أن العلم سبب للرفعة في الدنيا و الأخرة ، قال تعالى ( يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) سوره المجادلة .والمعنى أن الله تعالى يرفع المؤمن على غيرة ، من المؤمنين
4- أنه علامة على إرادة الله تعالى الخير للعبد . عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) متفق عليه

من آداب العالم والمتعلم

1- الإخلاص: فيطلب العلم تقرباً إلى الله وحدة ، فينفع نفسه، ويعلم الآخرين ، لاأن يطلب العلم ليقال :عالم ،ولا لمباهاة الأقران ، وتعظيم الناس ، والتصدير في المجالس ، ولا يطلبة لتحصيل شهادة يتوصل بها عمل دنيوي . روى أبو هريره رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه... )وذكر ثلاثة ،ومنهم (رجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفة نعمة ، فعرفها ، قال : فما علمت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم، وقرأت القرآن ليقال : هو قارىء ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) رواه مسلم

2- العمل بالعلم إن من أعظم ثمار العلم : العمل به ، وإلا فما فائدة أن يعلم المسلم أن هذا الفعل واجب ثم تجدة معرضاً عنه ، أو يعلم ان ذلك الفعل حرام ثم تراه منكباً عليه ، ولأجل هذا اهتم العلماء بهذا الجانب ، فكتبوا فيه ، فمن ذلك كتاب : (اقتضاء العلم والعمل ) ، للخطيب البغدادي ، وكتاب : ( ذم من لا يعمل بعلمه ) للحافظ أبي القاسم ابن عساكر رحمة الله تعالى عليهما . قال صلى الله عليه وسلم :لا تزول قدما عبد يوم القيامه حتى يسأل عن اربع خصال : عن عمره فيما افناه ، وعن شبابه فيما ابلاه ، وعن ماله من اين اكتسبه وفيما انفقه,وعن عمله ماذا عمل فيه) رواه الترمذي عن ابي هريره ,وقال :حسن صحيح قال المنذري في الترغب والترهب اسناده صحيح

3- الدعوة إلى الله بما معه من العلم : ومن ثمار العلم : بذله للناس , وهو من تبليغ العلم المأمور به في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (بلغوا عني ولو آيه) رواه البخاري

4- التواضع: فلا يترفع عن الآخرين عجبا بنفسه وما وصل إليه من علم ، ولا يحتقر الناس ويزدريهم ، فالكبر خلق مذموم ،والتواضع واللين خلق محمود ،فعن أبي هربرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ما نقصت صدقة من مال ،وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه ) رواه مسلم
ومن علامات التواضع : العطف على الصغير ، واحترام الكبير ، وألا يرى في نفسه أنه أعلى قدراً من أقرانه .

5- أن يتأدب الطالب مع معلمه : فيحترمه ويجله ، ويتأدب معه في السؤال ،ولا يسابقه الجواب أو الكلام ،ولا يقاطعه ،بل ينصت إلى كلامه ، ولا يتحدث مع أحدِ أثناء كلام المعلم .
فعن ابن عباس –رضي الله عنهما – أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت – رضي الله عنه – فقال له : تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم )، فقال ابن عباس : (إنا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا) رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم .

6- عدم الجرأة على الفتوى وإصدار الأحكام بدون علم ،وليكن شعاره فيما لا يحيط بعلمه أن يقول : (لاأعلم ) ،أو (لاأدري)، فليس أحد يزعم أنه يعرف كل شيء ،
قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتي لمجنون ،
وقال الشعبي : لاأدري نصف العلم . رواهما الدارمي
تظهر خطورة القول –في الدين –بغيرعلم إذا علمت أنك في الحقيقة لا تخبر عن رأيك ، وإنما تخبر عن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فكأنك تقول لمن سألك :هذا هو حكم الشرع في ذلك قال تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم000) سوره الاسراء .
وقال تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والا ثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ًوأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) سوره الاعراف .
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح أسوة حسنة ، فقد كانوا إذا سئلوا عما لا يعلمون قالوا: (لاندري )،أو (لانعلم )،أو (الله أعلم )
وإليك مثالاً واحداً على ذلك :عن جبير بن مطعم –رضي الله عنه أن رجلا سأ ل النبي صلى الله عليه وسلم فقال :أي البلاد شر؟ قال (لاأدري حتى أسأل ) فسال جبريل عن ذلك ، فقال (لاأدري حتى أسال ربي ) فانطلق فلبث ما شاء الله ، ثم جاء ، فقال : (إني سألت ربي عن ذلك فقال :شر البلاد الأسواق ) قال الحاكم :هذاالحديث أصل في قول العالم : لاأدري .

7- أن يتلقى العلم على أهله ، وهم العلماء ، ولا يأخذ عن كل من هب ودب ،فإن المتكلمين كثير ، وكثير منهم لا يتورع عن إطلاق التحليل والتحريم بدون علم .

8- محبه العلماء ، وتقدير جهودهم ، الحي منهم والميت ، وعدم انتقاص أحد منهم ، فإن ذلك مزلة قدم ،قال صلى الله عليه وسلم (قال الله تعالى :من عادي لي وليأ فقد آذ نته بالحرب) رواه البخاري
قال ابو حنيفه و الشافعي رحمهما الله تعالى :إن لم يكن العلماء أولياء لله فليس لله ولي ) التبيان في آداب حملة القران
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله تعالى :إن لحوم العلماء مسمومة ، وعاده الله في هتك أستار منتصيهم معلومة ، وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب . التبيان في اداب حملة القران

9 ـ الاستمرار في طلب العلم ، وعدم التوقف عند حد معين ، وليس الغرض مجرد تحصيل شهادة معينه ثم ينتهي التعلم ، بل يستمر في تحصيل العلم وزيادته الى اخر العمر ، قال الامام احمد : انما اطلب العلم الى ان ادخل القبر ) مفتاح دار السعاده

10- خدمة امته ووطنه بالمجال الذي يحسنه ويتقنه ، وهذا من العمل بالعلم . واخيرا فليحذر الطالب من القراءه غير النافعه ، فانها تضيع الزمان ، وتشوش الفكر ، وقد تفسد العقائد ، وليحرص على انتقاء ، وليسأل عما يقرا من يثق به من عالم واستاذ ومرب ، وليس المراد بالعلم مجرد القراءه ، فان القراء اليوم كثير ، ولكن العلماء قليل .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

------------------------------------------------

سياسة الإسلام في مجال الثقافة

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(1).
لا تكاد ترى أمّة، أو فكرة، أو مبدأ، أو نظاماً فتح أبواب العلوم والثقافة كما فتحها الإسلام، أو ندب إليها كما ندب الإسلام إلى العلم.
فكم ندب الإسلام إلى العلم، وكم قدّر من العلماء، ورفع من شأنهم.
منزلة العلم في القرآن

ونظرة باحثة بدقّة في القرآن الحكيم، وتصفّح آيات بينات ورد فيها العلم والفكر والعلماء والمفكرين، توقف الباحث على كنز كبير وزخم عظيم.
ففي القرآن أكثر من ألف وخمسمائة آية تتحدّث عن المواد التالية: (العلم)، (المعرفة)، (التعقّل)، (التذكّر)، (التدبّر) التي يجمعها معنى (الثقافة).
وإذا علمنا أنّ كل ما في القرآن من آيات (6400) آية تقريباً.
وإذا علمنا أيضاً أنّ هذه الآيات تعني بكل ما في الإسلام من أصول، وفروع، وأحكام، وأخلاق، ونفس، وجسد، وعلوم الكون، والحيوان، والنبات، والفلسفة، والطب، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والفردية، والعائلية، والقومية، والإقليمية، وما إلى ذلك من عبادات، ومعاملات، وجيش، وشرطة، وأمن، وحاكم، ومحكوم، وغير ذلك..
ومن مجموع ذلك نسبة الربع تقريباً يختص بالثقافة.
إذا علمنا كل ذلك وجمعنا بعضها إلى بعض ظهر لنا بجلاء اهتمام القرآن بالثقافة، وأنّه لا يشابهه اهتمام أي نظام، أو دين، أو مبدأ.
فهل نجد ـ عبر التاريخ كله ـ كتاباً للتشريع والتنفيذ جميعاً في مختلف الميادين تستأثر الثقافة منه بالربع؟
منزلة العلم في السنّة

والسنّة والأحاديث الشريفة المروية عن رسول الله صلی الله عليه و آله وأهل بيته الأئمة الأطهار عليهم السلام هي الأخرى زاخرة بالعلم والمعرفة.
ويكفيك أن تعلم أنّ كتاباً واحداً من مجاميع الأحاديث هو (بحار الأنوار) جمع فيه من أحاديث العلم والمعرفة قرابة ثلاثة آلاف حديث أو تزيد.
هذه الخلفية الثقافية الواسعة المعمّقة تعكس بعض اهتمام الإسلام بالثقافة والفكر.
نماذج

ولمجرد النماذج نذكر بعض الأحاديث لنعرف البعد العميق في تحريض الإسلام على الثقافة والعلم:
1. «اطلبوا العلم ولو بالصين»(2).
ولو علمنا أنّ الرسول صلی الله عليه و آله الذي فاه بهذه النادرة العظيمة كان في الحجاز وكان في زمان يستغرق السفر منه إلى الصين ذهاباً وإياباً سنتين، دع عنك الأخطار الكبيرة والكثيرة التي كان يواجهها المسافر إلى الصين عبر البحار والصحاري، من تعرض للغرق والضياع والهلاك عطشاً أو جوعاً، أو بتمزيق السباع، وما شاكل ذلك.. لعرفنا بعض عمق هذا الكلام النبوي..
«اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»(3).
ولعلنا لا نجد في التاريخ كلمة أخرى ـ غير هذه النادرة التي ورد بها الحديث الشريف ـ تدل على أنّ المهمّة الأولى والأخيرة للإنسان هو العلم، فمن المهد يبدأ الإنسان مدرسته، ولا ينتهي منها إلا عندما يوضع في القبر ويلحد.
«العلماء ورثة الأنبياء»(4).
الأنبياء عليهم السلام هم قمم البشر، هم السفراء بين الله وبين خلقه، هذه المنزلة هي التي يختار الله لها من يشاء من بين الناس.. فليس باختيار الناس أنفسهم بل هو اختيار الله تعالى، ولكن لأي بشر أن يتسنّم الوراثة لهذه القمّة، بأن يتعلم حتى يصبح عالماً، ويكفي ذلك دلالة على رتبة العلم وعظيم منزلته.
«الناس موتى وأهل العلم أحياء»(5).
الحياة ينسجم معها الأحياء ولا ينسجم معها الأموات، لأن كل شيء ينسجم مع مجانسه، وهذه الكلمة هي من أروع التعبير لذلك، فالناس ـ إن لم يكونوا علماء ـ فهم أموات، والأموات ليسوا في هذه الحياة، وأهل العلم هم الأحياء.
فالجاهل وإن كان حياً في هذه الدنيا، فهو بمنزلة الميت.
والعالم وإن كان ميتاً منذ قرون، فهو بمنزلة الحي.
«ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا»(6).
عالم اليوم يفتخر بالتعليم الإجباري الذي فرض في بعض الدول على عامّة النّاس، مع أنّ المخطِّط الأوّل لذلك في إطاره الإيجابي الإنساني دون السلبي الممارس حالياً عند البعض هو حفيد رسول الله صلی الله عليه و آله الإمام جعفر الصادق عليه السلام صاحب هذه الكلمة النادرة.
فهو يتمنى لو استطاع جبر أصحابه على التفقّه والتعلّم ولو بسبب ضربهم بالسياط.
«طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»(7).
هذا الفرض العام في التعليم والثقافة الشامل لكل رجل وامرأة عديم الوجود في غير الإسلام، فهو من مختصات الإسلام. إنّه فريضة، وواجب شرعي إلهي، ثم إنّه لا يختص بألف قيد، وألف شرط، من: التحديدات بالعمر، أو الجنسية، أو المهنة، أو ما شاكل ذلك مما تشترط في تعليم عالم اليوم.
إنّه واجب على كل مسلم شباباً، وشيوخاً، وكهولاً، ومن مختلف الجنسيات، والألوان، واللغات، والقوميات، والقبليات.. إلى آخره.
وهو واجب على كل امرأة مسلمة كذلك.
والأحاديث الشريفة في التحريض على الثقافة والأمر بالعلم والاستزادة منه كثيرة لا مجال لذكرها هنا في هذا العرض المبني على الاختصار.
فهل تجد مثل ذلك في غير الإسلام؟
كلا!.
معرفة الصناعات

ويضرب الإسلام شوطاً أبعد في ميدان الثقافة، فيصدر حكمه الأكيد والوجوب المحتوم على تعلّم كافّة الصناعات، والمخترعات، والحرف، وجوباً كفائياً.
ومعنى الوجوب الكفائي هو: أنّ المسلمين لو تركوا جميعاً صنعة أو حرفة فتعطلّت عندهم أجهزة الحياة ـ ولو نسبياً ـ اشترك الجميع في الإثم والعصيان والمسؤولية أمام الله تعالى.
قال شيخ الفقهاء الشيخ المرتضى الأنصاري قدس سره في كتاب (المكاسب): « وللواجب بالصناعة الواجبة كفاية خصوصاً إذا تعذّر قيام الغير به » (8).
فعلم صنع الطائرات واجب في الإسلام.
وتعلّم صنع المكائن ـ بأنواعها وأشكالها ـ واجب.
وكذلك تعلّم صنع الأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية.
وتعلم فلق الذرة واجب أيضاً.
وهكذا كل صناعة، أو حرفة، أو اختراع ـ يتضرر الإسلام والمسلمون بتركه ـ واجب مقدّس في الإسلام..
ومعنى الواجب ليس المفضّل وحسب. بل معناه ما لو توانى عنه المسلمون وتقاعسوا لاستحقّ جميعهم العقاب الإلهي ممّن كان يمكنه القيام به وتركه. ولو فعله بعض المسلمين بمقدار الكفاية، سقط وجوبه عن الآخرين.
وكان لمن فعله أجر الدنيا وثواب الآخرة. فيندرج ذلك في العبادة التي لم يخلق الله تعالى الناس إلا من أجلها حيث قال القرآن الحكيم:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ)(9).

---------------------------------------------------
السلام عليكم ورحمة الله.
أرجو إفادتكم بما يشيعونه من الروايات الحديثية، فهل هي أحاديث نبوية صحيحة أو ضعيفة؟ أو هي من آثار بعض الصحابة – رضي الله عنهم - أو هي ليست كذلكم؟ فهي كالآتي:
(1) اطلب العلم من المهد إلى اللحد.
(2) أطلب العلم ولو بالصين.
(3) من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم
(4) اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
فالله يجزيكم عني خيرا.




الفتوى :

أجاب عن السؤال لجنة البحث العلمي بموقع الإسلام اليوم بإشراف الدكتور عبد الوهاب بن ناصر الطريري (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام سابقاً).
الجـواب:
جزاك الله خيراً على اهتمامك بمعرفة الصحيح من الضعيف مما تسمعه من أحاديث وآثار، أما جواب ما سألت عنه فهو كالتالي:
(1) هذه المقولة لم نقف عليها مرفوعة إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، ويغلب على الظن أنها تندرج تحت الحِكم المشهورة لدى الناس ومعناها صحيح، لأن نصوص القرآن والسنة الصحيحة جاءت مطلقة في الحث على طلب العلم على الدوام في أي زمان ومكان، ومهما كان عمر الإنسان.
قال تعالى:"وقل رب زدني علماً" [طه:114] وفي مسلم (2699) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة..." الحديث، وقال الإمام أحمد: مع المحبرة حتى المقبرة، وعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه ابن ماجة (224) وغيره.
(2) هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (427-428-429)، بطرقه التي مدارها على الحسن ابن عطية عن أبي عاتكة عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "اطلبوا العلم ولو بالصين" ثم قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فأما الحسن ابن عطية، فضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن حبان: منكر الحديث، فلا أدري البلية في أحاديثه منه أو من أبيه أو منهما معاً، وأما أبو عاتكة، فقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: وهذا حديث باطل لا أصل له، وأيد هذا القول الألباني في السلسلة الضعيفة (416)، فقال: الحق فيه ما قاله ابن حبان وابن الجوزي، إذ ليس له طريق يصلح للاعتضاد به، وعليه فالحديث باطل لا أصل له.
(3) هذا القول ذكره النووي في تهذيب الأسماء (1/74)، تحت فصل في نوادر من حكم الشافعي –رضي الله عنه- وجزيل كلامه قال الشافعي: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة، فعليه بالعلم، ولم نقف عليه مرفوعاً إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- ولا لأحد من أصحابه – رضي الله عنهم-.
(4) ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (8) وقال: لا أصل له مرفوعاً وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة، ثم ذكر أنه وجد له أصلاً موقوفاً في زوائد مسند الحارث للهيثمي (2/983)، وغيره عن ابن العيزار قال: لقيت شيخاً بالرمل من الأعراب كبيراً فقلت: لقيت أحدا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال: نعم، فقلت: من؟ فقال: عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- فقلت له: فما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، قال الألباني: فالإسناد منقطع.
وعليه فهذا حديث لا أصل له مرفوعاً إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- وإنما ورد موقوفاً باللفظ السابق عن عمرو بن العاص – رضي الله عنه- وفيه انقطاع، والله أعلم.